الشيخ محمد الخضري بك
210
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حبّ الإسلام صاروا بعد من أجّلاء المسلمين ، وأعظمهم نفعا كصفوان بن أمية ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والحارث بن هشام وغيرهم . ثم أمر عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم ، وقسّمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب ، وصاروا يقولون له : اقسم علينا حتى ألجؤوه إلى شجرة فتعلق رداؤه فقال « ردّوا ردائي أيها الناس ، فو اللّه إن كان لي شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا » ثم قام إلى بعيره ، وأخذ وبرة من سنامه ، وقال : « أيها الناس ، واللّه مالي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلّا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدّوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول « 1 » يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة » فصار كل من أخذ شيئا من الغنائم خلسة يرده ولو كان زهيدا ، ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة ، والفارس ثلاثة أمثال ذلك ، فقال رجل من المنافقين « 2 » : هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه ، فغضب عليه الصلاة والسلام حتى أحمر وجهه ، وقال : « ويحك من يعدل إذا لم أعدل ؟ ! » « 3 » فلم يؤده غضبه أن ينتقم لنفسه حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك بل لم يزد على أن نصح وحذّر ، وقال له عمر وخالد بن الوليد : دعنا يا رسول اللّه نضرب عنقه ، فقال : لا ! لعلّه أن يكون يصلّي ، فقال خالد : وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه ! فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس « 4 » ولا أشق عن بطونهم . ولما أعطى رسول اللّه ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب ، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا : إن هذا لهو العجب يعطي قريشا . ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ! ! ! فبلغه ذلك فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم . فلمّا اجتمعوا قال : « يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم ؟ ألم أجدكم ضلّالا فهداكم
--> ( 1 ) الاختلاس من الغنيمة . ( المؤلف ) . ( 2 ) قال السهيلي : فالرجل هو ذي الخويصرة كذلك جاء ذكره في الصحيحين وقال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخرج من ضئضئه قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم ، وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فكان كما قال وظهر صدق الحديث في الخوارج وكان أولهم من أصله . ( 3 ) رواه الشيخان في المعنى . ( 4 ) هو البحث والتفتيش . وفي صحيح مسلم : إني لم أثقب عن قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم .